محمد بن جرير الطبري

88

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذلك بالجنود والرجال ، فكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف ، أربعة آلاف . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَشَدَدْنا مُلْكَهُ قال : كان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف ، أربعة آلاف . وقال آخرون : كان الذي شدد به ملكه ، أن أعطي هيبة من الناس له لقضية كان قضاها . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن حرب ، قال : ثنا موسى ، قال : ثنا داود ، عن علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم ، فاجتمعا عند داود النبي صلى الله عليه وسلم فقال المستعدي : إن هذا اغتصبني بقرا لي ، فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده ، فسأل الآخر البينة ، فلم يكن له بينة ، فقال لهما داود : قوما حتى أنظر في أمركما ؛ فقاما من عنده ، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه ، فقال : هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت ، فأوحى الله إلى داود في منامه مرة أخرى أن يقتل الرجل ، وأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله ، فأرسل داود إلى الرجل : إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك ، فقال الرجل : تقتلني بغير بينة ولا تثبت ؟ فقال له داود : نعم ، والله لأنفذن أمر الله فيك ؛ فلما عرف الرجل أنه قاتله ، قال : لا تعجل علي حتى أخبرك ، إني والله ما أخذت بهذا الذنب ، ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته ، فبذلك قتلت ، فأمر به داود فقتل ، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود ، وشدد به ملكه ، فهو قول الله : وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تبارك تعالى أخبر أنه شدد ملك داود ، ولم يحضر ذلك من تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له ولا على هيبة الناس له دون الجنود . وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا ، وجائز أن يكون كان بجميعها ، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله ، إذ لم يحضر ذلك على بعض معاني التشديد خبر يجب التسليم له . وقوله : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عني بها النبوة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي ، قوله : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ قال : النبوة . وقال آخرون : عني بها أنه علم السنن . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ أي السنة . وقد بينا معنى الحكمة في غير هذا الموضع بشواهده ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : وَفَصْلَ الْخِطابِ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : عني به أنه علم القضاء والفهم به . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : أعطي الفهم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن ليث ، عن مجاهد وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : إصابة القضاء وفهمه . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : علم القضاء . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : الخصومات التي يخاصم الناس إليه فصل ذلك الخطاب ، الكلام الفهم ، وإصابة القضاء والبينات . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي حصين ، قال : سمعت أبا عبد الرحمن يقول : فصل الخطاب : القضاء . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وفصل الخطاب ، بتكليف المدعي البينة ، واليمين على المدعى